في سبيل استيعاب عملية الانتكاسة، لابد من فهم المرض الإدماني. فغالباً ما يخفق الأفراد في استرداد الوضع السوي؛ لأنهم لم يتمكنوا من استيعاب إدمانهم أو أنهم عجزوا عن القيام بأشياء من شأنها مساعدتهم على تجنب الانتكاسة. كذلك تقع مسئولية المعالجة الناقصة وغير الملائمة والتي تفضي إلى الانتكاسة على عاتق المعرفة غير الصحيحة بطبيعة الإدمان.
العقاقير الإدمانية
العقاقير المخدرة المغايرة للمزاج هي وسائل كيميائية تُحدث تغيرات في عمل المخ من خلال تغييرات كيميائه. ومتى تغير عمل المخ يختبر الفرد تغيرات فيزيائية، نفسية وسلوكية كنتيجة مباشرة. ومن ثم تفضي تلك التغيرات في الوظائف الفيزيائية والسيكولوجية كما في السلوك إلى تغيرات في العلاقات الاجتماعية، حيث لدى
جميع العقاقير المخدرة المغايرة للمزاج إمكانية إحداث تغيير بالتفكير، وبالتالي إلحاق الضرر بالعقل، وإلحاق الضرر بالجسم والتأثير على السلوك والعلاقات سواء أكان تعاطيها على نحو إدماني أم لا.
ويتوقف المدى الذي قد تصل إليه تلك العواقب على العقار المستخدم، الشخص المتعاطي، وفي بعض الحالات على الظروف التي تم التعاطي تحت تأثيرها.
يمكن تصنيف العقاقير الإدمانية الرئيسية في أربع مجموعات، وهي المهدئات (المسكنات)، المنشطات (المنبهات)، مسكنات الآلام (مُخدر) ومذهبات العقل (مهلوسات). وتندرج المواد المخدرة على نحو نموذجي أسفل هذه التصنيفات كما هو مبين أدناه.
١. المهدئات:
أ. الكحول.
ب. الحبوب المنومة (بربيتوريت وما يشبهها من عقاقير منومة مسكنة).
ت. مسكنات ثانوية (ليبرايم، فاليم.... الخ).
٢. المنشطات:
أ. الأمفيتامين.
ب. الكوكايين.
ت. النيكوتين (تبغ).
ث. الكافيين.
٣. مسكنات الآلام:
أ. المخدرات.
ب. مشتقات المُخدر.
٤. مُذهبات العقل (محرفي الإدراك):
أ. مهلوسات.
ب. فينسيكليدين )PCP(.
ت. القنِب (ماريجوانا، حشيش.. الخ).
مرض الإدمان
يمثل الإدمان حالة ينمي فيها الفرد تبعية بيولوجية، نفسية واجتماعية لأي عقار مغاير للمزاج. الإدمان يدفعه إلى تعاطي مخدر لأجل سعادة لحظية. إلا أن هناك ثمناً لابد من دفعه. لما يخلقه الإدمان من ألم ومشقة تستمر وقتا طويلا. حيث يصاحب الإدمان هوس، قسر وفقدان للسيطرة. ففي حالة عدم التعاطي، يفكر الشخص الذي يعاني الإدمان ويعتزم ويتطلع إلى تعاطيه ثانية. ويعرف ذلك بالهوس، حتى وإن تداخل التعاطي مع المعيشة، هناك القسر والدافع الغامر للتعاطي مرة أخرى حتى مع العواقب المؤلمة طويلة الأمد. فالمدمن يتعاطى المخدر لإزاحة الألم الذي خلفه تعاطي المُخدر ... وهلم جرا. فيكون الإدمان.
التعاطي المتواصل للعقاقير الإدمانية يفضى إلى
التعاطي المتواصل للعقاقير الإدمانية.
يفرق الإدمان عن تعاطي المخدرات بالافتقار إلى حرية الاختيار. فتعاطي المادة المغايرة للمزاج اختيار، أما الإدمان فهو حالة تسلب الفرد إرادته وتملي عليه تكرار مقدار وطبيعة التعاطي. كما أن جميع حالات الإدمان تبدأ بالتعاطي بينما لا تؤدي جميع حالات التعاطي إلى الإدمان.
يعد الإدمان مرضاً فيزيائياً، حيث يتم تصنيفه مع الأورام الخبيثة، أمراض القلب والسكر كمرض مزمن يسبب أضرار بدنية، نفسية واجتماعية طويلة الأمد، ومثل هؤلاء ضحايا تلك الأمراض الأخرى، يعاني مدمنو الكحول من حالة بدنية تجعلهم عرُضة لتطور المرض.
في حين تندرج الكحولية في قائمة الأمراض حالياً، إلا أنها كانت حتى الآونة الأخيرة قضية سيكولوجية أو أخلاقية، حيث أفضى عمل د. إي أم جيلنيك (١٧) في الخمسينات والستينات إلى التسليم بالكحولية كمرض من قِبل الرابطة الطبية الأمريكية، الجمعية الطبية الأمريكية لإدمان الكحول، المجلس القومي لإدمان الكحول، الرابطة الأمريكية للطب النفسي والأكاديمية الأمريكية لعيادة الأسرة. كما تم اعتبارها مرض من قِبل الرابطة الأمريكية لعلم النفس، الرابطة الأمريكية للصحة العامة، مستشفى الجمعية الأمريكية ومنظمة الصحة العالمية.
حتى بين هؤلاء الذين سلموا بأن إدمان الكحول مرض، كان هناك اعتقاد شائع أنه يعود بشكل كبير لأسباب نفسية.
وقد ساهم د. جيمس ميلام على نحو ريادي في تعريف إدمان الكحول كأحد الأمراض الجسدية الأولية، وقد أكد د. ميلام بشدة على أن العوامل النفسية والاجتماعية لا تلعب دوراً أكبر في إدمان الكحول مما تلعبه في الأمراض المزمنة الأخرى. فتحدى تلك الفكرة التي ترجع إدمان الكحول إلي القابلية السيكولوجية وقدم الرؤية التي يوضح بها أن جسد الشخص الذي يعاني إدمان الكحول لا يتفاعل مع الكحول بنفس الطريقة التي يتفاعل بها مع الشخص الذي لا يعاني الإدمان.
وقد دعمت أبحاث السنوات الأخيرة هذا الرأي بشكل كبير. حيث تشير أبحاث تشارلزليبر (٣١) (٣٢)، مارك شاكيت (٣٤) (٣٥) وآخرون إلى أن بعض الأشخاص يُولدون بأجسام أكثر عرُضه للإدمان من أناس آخرين.
على الرغم من أن الإدمان بشكل أساسي مرض بدني إلا أنه يؤثر ويتأثر بجميع مجالات حياة الفرد؛ من أجل ذلك نطلق على ألإدمان المرضى مرض "البيوسيكوسوشيال". حيث تعني "بيو" حيوي أو خاص بالجسد و"سيكو" أي نفسي أو وجداني، بينما تشير "سوشيال" إلى العلاقات بين الأفراد.
مرض ألإدمان مرض بيو - سيكو - سوشيال
ساعدت الدراسة الخاصة بالمواد الكيميائية المجودة في الدماغ والتي من شأنها التأثير على نقل الرسائل عبر الخلايا العصبية في تطوير استيعاب مرض الإدمان. وإن ظلت العديد من الإجابات التي يتم الوصول إليها تطرح المزيد من التساؤلات. فعملية التفاعلات الكيميائية في الدماغ برمتها شديدة التعقيد، إلا أنه من الواضح أن كيميائية المخ الخاصة بالشخص المدمن تختلف عن تلك الخاصة بغير المدمنين. (٢١)
مازال هناك المزيد الذي يتم اكتشافه من دراسات الأيض الحيوية والتي توضح أن العديد من الأفراد ذوي التاريخ العائلي من الأيض الكحولي (يتغلبون عليه ويطيحون به من الجسم) بشكل مختلف حتى قبل أن يكون هناك أي عرض لمشكلة الشرب. (٣٤)
تدعم تلك الدراسات بفاعلية الأساس الجيني والوراثي للإدمان. فالأفراد ذوي النزعة الجينية لإدمان المسكرات ليس مقُدر لهم تطور المرض ,ولكنهم عُرضة للخطر نظراً لطريقة استجابة أجسامهم للكحول. (٢٥) (٢٦) (٢٧) (٢٩) .
على المرء أن يتعاطى الكحول أو المخدرات ليصير مدمناً، وسيحدد كم الكحول والمخدر المتعاطي والوقت اللازمين لبدء الإدمان؟ ويتباين الأشخاص بمستويات قابلية جينية ووراثية مختلفة للإدمان. فقد يؤدي تعاطي كميات صغيرة من الكحول أو المخدر على مدى قصير عند بعض الأشخاص إلى تحرك الإدمان، في حين يلزم آخرون تعاطي الكحول والمخدرات بكثرة ولفترة طويلة حتى ينمو مرض الإدمان. (٢٨)
شرع ( جاك ) في معُاقرة الكحول وهو في سن التاسعة عشرة. في المرة الأولى شرب أكثر مما كان ينوي، ثمل، ووقع في مشكلة بسبب سكُره. ولم يمر ( جاك ) قط بيوم من الشرب الطبيعي. وفي سن ٢٦، وذلك بعد سبع سنوات فقط منذ أول تعاطي، كان ( جاك ) بالمستشفي يعاني بشكل خطير من إدمان الكحول، ثم لاحقاً وفي حديثه بجلسات برنامج الكحوليين المجهولين وصف (جاك) نفسه بالمدمن الفوري.
من ناحية أخرى، بدأ ( بيل ) في المعُاقرة وهو في سن ١٩ أيضاً، ونادراً ما كان يثمل، أولى مشاكله الجديرة بالملاحظة مع الكحول بدأت وهو في سن٣٤ من عمره، ولم يسبب له تعاطي الكحول مشكلات خطيرة حتى أصبح ٤٦ عمره، فعلى ما يبدو مر يبل بخمسة عشرة سنة بدى فيها شربه في الحدود الطبيعية ليبدو إدمان الكحول ظاهراً.
يشرع الناس في تعاطي الكحول أو المخدرات لأسباب نفسية. فهم يشربون لأنه يجعلهم سعداء (باعث نفسي اجتماعي)؛ لأن هناك أحرين يشربون؛ لأنه يساعدهم على الانتماء أو قد يكونون مكُرهين على فعل ذلك (أسباب اجتماعية).
يصير الأفراد مدمنين لأسباب معنية بالجسد - حيث ينمون القدرة على الاحتمال، فقد يلزم أكثر من المخدر لإحداث نفس التأثير، وتتكيف خلايا الجسم مع مستويات المُخدر المرتفعة والتي تبدأ في عملها التخريبي إلى أن يصل إلى التبعية، فيصبح الجسم في حاجة إلى المخدر، الذي يعني غيابه الانسحاب البدني وبالتالي عدم الراحة والمرض.
كلما زاد تعاطي الأشخاص للمواد الكيميائية بحثاً عن الوصول إلى الشعور بحالة جيدة، كلما تلاشي تعلمهم استخدام وسائل أكثر فعالية لتجربة الوصول إلى نفس المشاعر، فقد أصبح اعتمادهم على الشرب حالة نفسية /اجتماعية نابعة عن عدم استخدام أساليب أخرى من المقاومة. وتؤثر تلك الحالة على جميع مجالات الحياة.
الانسحاب
يُطلق مصطلح ألانسحاب على الألم الذي ينتج عند توقف الشخص المدمن عن تعاطي الكحول أو المخدر، ويكون الانسحاب حيوياً، نفسياً واجتماعياً، يعود جزء من الألم الناجم عن الانسحاب على الأضرار البدنية وحاجة الجسم للعقار الذي أدى إلى الإدمان، وجزء آخر على التفاعل السيكولوجي الناتج عن فقدان الطريق الأساسي للتأقلم مع الحياة، وذلك بسبب تعاطي العقاقير الإدمانية، وهناك أيضا جزء اجتماعي يُسببه الانفصال عن الإدمان ألا وهو مركز الحياة.
ينمو الانسحاب البدني في اتجاهين، الأول ويطلق عليه الانسحاب الحاد ويستمر من ثلاثة إلى عشرة أيام. (٢٠) ويعتقد الناس أن ألم الانسحاب ينتهي في بضعة أيام مرة واحدة، في حين تشير الدراسات الحديثة أن الانسحاب طويل الأمد وقد يظل لشهور أو حتى لسنوات ليصل إلى الاعتدال. (١٢٥) (١٠٨) (١٢٢) ويسمى ذلك الانسحاب طويل الأمد بالانسحاب ما بعد الحاد )PAW) والذي سنتناول مناقشته بالتفصيل في فصل لاحق.
التعاقب
تتلاحق على مدمن الكحول سلسلة من أعراض الكحول والمُخدر يمكن التنبؤ بها.(١٥) (١٧) (١٩) (٢٠) تتقدم تلك الأعراض عبر ثلاث مراحل. (١٧) في المرحلة الأولى، قد تجد صعوبة شديدة في التمييز بين التعاطي الإدماني وغير الإدماني نظراً لقلة الأعراض الخارجية، إلا أن الجسم يتغير ويتكيف مع التناول المنظم للمُخدر، ويظل العِرضُ الرئيسي لهذه المرحلة هو زيادة المقاومة، ويعني ذلك أن هؤلاء ممن في طريقهم إلى الإدمان يمكنهم عادة تعاطي كميات أكبر وأكبر بدون الإحساس بالثُمالة أو معاناة الآثار الضارة.
تعاقب الإدمان المرضى
١. المرحلة المبكرة: نمو التحمل والتبعية.
٢. المرحلة الوسطي: تدرج فقدان السيطرة.
٣. المرحلة المزمنة: تدهور الصحة البيولوجية، النفسية
والاجتماعية.
من الصعب على هؤلاء الأشخاص التسليم بأنهم مدمنون؛ لأنه في استطاعتهم تدبر أمر الخمر (أو الماريجوانا أو الفاليوم)، ومن ثم يحبط ذلك أقرب علامة تحذير وبالتالي التشخيص المبكر؛ حيث أن ذلك يحجب المشكلة، في حين أن غالبية الأمراض تُحدث اعتلالاً فورياً في الأداء، يبدو هذا المرض في مرحلته المبكرة ذو فائدة حيث يُمكن للشخص المصاب من الاستمتاع بنشوة المُخدر دون أي عقاب.
في حين تنمو التبعية الجسدية والنفسية، (على نحو مستتر)، حتى لا يعد هناك فقط رغبة في التعاطي وإنما حاجة إليه. فتتغير جميع خلايا الكبد والجهاز العصبي حتى تتمكن من احتمال تلك الكميات الكبيرة من المواد الكيميائية، بل وتصبح هذه الكميات لازمة لتحقيق نفس التأثير، إلا أن الكميات المتزايدة تلحق الضرر بالكبد ولاحقاً بكيمياء الدماغ ليبدأ الاحتمال في التلاشي في آخر الأمر.
كان ( بيل ) مندهشاً عندما شرع أخيراً في الرضوخ للعلاج، وصرح "لم أكن أعتقد أنني مريض لهذه الدرجة" وأضاف قائلا:ً "إن المشكلة تسللت شيئاً فشيئاً مع مضي الوقت كذلك التغيير جاء ببطء شديد حتى أنني لم أدرك كم صار شرُبي مدمراً." ونأتي للمرحلة الوسطي التي تتسم بتصاعد فقدان السيطرة حيث لم يعد الشخص قادراً على تعاطي نفس الكميات دون أن يثمل أو يُحدث مشاكل. ويصبح عدم التعاطي يثير الألم، فيخفف المُخدر المتعاطي من الألم الذي أحدثه عدم التعاطي، وهكذا يصبح الشخص المدمن غير قادر على العمل بشكل طبيعي بدون المخدر.
يشرع الأصدقاء والعائلة في ملاحظة المشكلات: في العمل، الصحة، الزواج وأيضاً مشاكل قانونية، وإن كانوا على الرغم من ذلك يميلون إلى الاعتقاد بأن الشخص يتصرف فقط بشكل تعوزه المسئولية، فهم لا يدركون أن الشخص المدمن لا يختار هذا السلوك إنما هو جزء من المرض، فالشخص لا يملك قوة الإرادة التي تخول له اختيار الشرب أو التعاطي بمسئولية، ويظل البديل الوحيد للمشاكل المستمرة والمتوالية في عملية المرض هو المعالجة والامتناع الكلي.
أما المرحلة المزمنة فتتسم بالتدهور البدني، النفسي، السلوكي، الاجتماعي والوجداني. كما تتأثر جميع أنظمة الجسم في هذه المرحلة. فغالباً ما يصاب المخ، الكبد، القلب والجهاز الهضمي بالضرر. ويصير تأرجح المزاج شائعاً متى تعاط الشخص العقار ليشعر بتحسن وقتي، وكلما تمركزت الحياة أكثر وأكثر حول المخدر، صار التحكم في السلوك أقل وأقل، فتتراجع النشاطات التي تتداخل مع الشرب أو التعاطي، وتتوالد الرغبة في التعاطي، ومحاولة والمعافاة من التعاطي هي كل الأنشطة التي يقوم بها الأفراد المدمنين، فيقدمون على أشياء وهم مخمورون لا يفعلونها وهم أصحاء، وماداموا أصحاء ينظمون حياتهم بشكل يصون تعاطيهم، وينتج عن ذلك أن ينقضون وعودهم، يغفلون عن التزاماتهم، يكذبون على الجميع وذلك من أجل التعاطي، ويُعد الانعزال من الأمور الشائعة، حيث يبتعد الأصدقاء والمعارف حيث يصبح السلوك مصدر للإحراج والعدوانية، وتتبدد الحياة من خلال الحاجة إلى التعاطي، ليصير السلوك الذي ينشد المُخدر هو نمط الحياة.
أساس الإنكار
١. المرحلة المبكرة: مشكلات اقل من ما يمكن ملاحظتها.
٢. المرحلة الوسطى: مشكلات لا ترتبط بالتعاطي
الإدماني.
٣. المرحلة المزمنة: المرض الشديد الذي يفتقر إلى
التفكير بعقلانية.
التفكير الوهمي
يُعد الإدمان من أحد الأمراض المزمنة التي تأتي بالتدريج فتسمح للأشخاص المدمنين بالتكيف مع المرض وعلى ذلك حتى ولو لحين يمكنهم مواصلة حياتهم بالرغم من المرض؛ ولأنهم ليسوا على دراية بأنهم يعادلون ويتكيفون مع مرضهم، فهم قادرون على إنكار مرضهم لفترة طويلة، ويتزايد الإنكار للمرض من خلال التشوهات العصبية التي من شأنها تحريف الواقع، التعتيم الذي يُحدث فجوات بالذاكرة، وأيضاً تأثير الثُمالة على التصور والذاكرة، فإنكار المرض هو جزء منه.
يتمكن الشخص المدمن من إنكار إصابته بالإدمان؛ وذلك لأنه في المرحلة المبكرة لا توجد مشكلات بدنية أو سلوكية، وفي المرحلة الوسطي المشكلات لا تصاحب التعاطي، وفي المرحلة المزمنة يعطب التفكير ويُشوه الحكم. ويُحبط الإنكار الحافز إلى الشفاء من خلال إخفاء الحقيقة المؤلمة لحياة تحكمها دوامة من الألم والإنكار، وتعاطي المخدر / الكحول والتي تبدو وكأنه لا سبيل للفرار منها.(٦٢) (٦٣) (٦٦)
دورة الإدمان
تفضي حلقة الإدمان - والتي قد وصفناها - بالشخص المدمن إلى فخ مميت، فدعنا نفحص تلك الدوامة وما سيحدث لك إذا ما وقعت في شرِكها.
دورة الإدمان
١. إشباع قصير الأجل.
٢. ألم على المدى الطويل.
٣. التفكير الإدماني.
٤. زيادة الاحتمال.
٥. فقدان السيطرة.
٦. ضرر حيوي - نفسي - اجتماعي.
١. إشباع لحظي: في البداية تكون هناك متعة قصيرة الأمد وشعور جيد وربح قوي قصير الأجل يدفعك إلى افتراض أن المُخدر أو التهرب هو خير لك.
٢. ألم واختلال وظيفي طويل المدى: في نهاية المطاف يتبع تلك المتعة القصيرة ألم طويل الأجل، ويمثل هذا الألم الذي يعود جزء منه إلى الانسحاب البدني وجزء إلى العجز عن التعاون نفسياً واجتماعياً بدون المخدرات، العواقب المباشرة لتعاطي العقاقير الإدمانية.
٣. التفكير الإدماني: يُطلق الألم والاختلال الوظيفي طويل المدى التفكير الإدماني الذي يبدأ بالهاجس والقسر، ويمثل الهاجس التفكير المتواصل حول الجوانب الإيجابية لتعاطي الكحول والمخدرات، أما القسر فهو الدافع غير العقلاني لتعاطي المخدر من أجل الحصول على التأثير الإيجابي حتى لو كنت تعرف أنه سيلحق بك الضرر على المدى البعيد مما يفضي إلى الإنكار والتسويغ لمواصلة التعاطي.
٤. زيادة الاحتمال: دون أن تدري أنه يحدث، هناك حاجة للمزيد والمزيد من العقار لإحداث نفس التأثير.
٥. فقدان السيطرة: يصبح الهوس والقسر شديدين حتى تمسي عاجزاً عن التفكير في شيء آخر، وتشوه المشاعر والعواطف نتيجة القسر، ومن ثم ينتابك الضغط والقلق حتى تصبح الرغبة في التعاطي عنيفة بشكل يصعب معه أن تقاوم، فما أن تتعاطى المواد الإدمانية أو تعود للسلوك الإدماني مرة ثانية تبدأ الدورة من جديد.
٦. ضرر حيوي، فيزيائي واجتماعي: في نهاية المطاف تتضرر صحة جسمك (الصحة البدنية)، العقل (الصحة النفسية)، والعلاقات بالآخرين (الصحة الاجتماعية)، ومع زيادة الألم والضغط سويا، يزداد القسر لتعاطي العقاقير الإدمانية والتهرب للتحرر من هذا الألم، فينمو شرك الهلاك وتصبح في حاجة للتعاطي من أجل الشعور بحالة جيدة، حيث عندما تُقدم على التعاطي بشكل إدماني فإنك تلحق الضرر بنفسك بدنياً، نفسياً واجتماعياً، هذا الضرر من شأنه زيادة ألمك الذي بدوره يزيد حاجتك إلى التعاطي الإدماني.
المعافاة
يمثل الامتناع الكلي ضرورة من أجل التعافي من الإدمان، الوعود بالتقليل هي وعود لا يمكن الحفاظ عليها، فأي تعاطي يُبقى الإدمان في حالة نشطة، ومن ثم يصبح الامتناع هو أولى الخطوات الأساسية للمعافاة.
تمردت سوزان على الحاجة إلى الامتناع الكلي، وقالت في رواية قصتها "اعتقدت أنني قادرة على التحكم في إدماني". فكافحت مع السيطرة لخمس سنوات قبل أن تتقبل ضرورة الانقطاع الكلي. "عملت بجد من أجل السيطرة على تعاطي الكحول والمخدر أكثر مما عملت على أي شيء في أي وقت مضى بحياتي كلها، ولكن حتى مع كل هذا المجهود كنت أفشل بشكل دوري وأقع في المشاكل، وأخيراً كان علي أن أسأل نفسي لماذا ليس للسيطرة هذه الأهمية ؟ والإجابة كانت بسيطة، وهي لأنني خاضعة بشكل كيميائي وعلى حماية حقي في التعاطي بأي ثمن." إن الإدمان وحده لا يعني المعافاة، ففي غالبية الحالات يظل اختيار التوقف عن التعاطي ليس كافياً لاستبقاء الاعتدال والمعافاة على المدى الطويل إلا إذا صاحبه قرار تلقي نوع من المعالجة، فالعديد من هؤلاء التابعين كيميائياً ذوي النوايا الحسنة بذلوا محاولات صادقة للإقلاع عن التعاطي ولكن أن لم يتلقوا مساعدة خارجية لن يتمكنوا من النجاح.
وتمثل أولى خطوات المعالجة في إزالة السموم، وتعني نزع سم المادة الإدمانية من الجسم، وقد تكون أعراض الانسحاب الحاد التي تحدث عند إزالة المادة الكيميائية شديدة الخطورة، حيث يُعد الانسحاب مشكلة طبية على الطبيب التعامل معها، وهناك طريقة شائعة لإزالة السموم من خلال تدبير مخدر بديل وعلى نحو تدريجي خفض البذل حتى تخمد أعراض الانسحاب، ويجب الانتباه إلى أن الشخص لا يتخلص من آثار الإدمان تماما حتى يتم إزالة المخدر البديل أيضاً ليصبح خالياً من المخدرات.
إزالة التسمم ليس وحده العلاج الكافي للمرض
الإدماني
لا يُعد إزالة السموم وحده المعالجة الوافية بالغرض، فمن أجل الامتناع الدائم يلزم الكثير، حيث يؤثر الإدمان على كافة الجوانب في حياة الفرد؛ ولذلك يتطلب هذا المرض معالجة شاملة، كما تتطلب المعافاة تغيير بدني، نفسي، سلوكي، اجتماعي ووجداني طويل الأمد، ويمثل التعليم جانباً ذا أهمية في المعالجة لما تتطلبه المعافاة من الإدمان من إدارة ذاتية، ومن الضروري على مرضى الإدمان تعلم المزيد بقدر الإمكان حول مرضهم وكيف يمكنهم التعامل معه.
تتمثل العناصر الحيوية للمعالجة في الاستشارة الجماعية والفردية إعداد برنامج مستشفى المريض الداخلي أو الخارجي أو إعداد سكن غير المستشفى، وتهدف الاستشارة إلى تيسير تطور المهارات التي ستدعم الاعتدال المتواصل والمعافاة على المدى البعيد، وعادة ما يكون البحث عن سبب الإدمان (كالمشكلات العاطفية أو العائلية) غير ذي جدوى، فقد تبين أن المعالجة التي تتناول الإدمان كحالة أساسية فضلاً عن كونها عرضاً لشيء آخر هي الأكثر فاعلية.
ويُعد الكحوليين المجهولين أكثر برامج المعالجة فعالية لإدمان الكحول، فقد تعافى من الكحولية باستخدام برنامج الكحوليين المجهولين أشخاص أكثر من هؤلاء الذين تعافوا باستخدام تطبيق آخر للمعالجة، ومن أجل ذلك يجب أن يكون برنامج الكحوليين المجهولين جزءاً حيوياً من منهج معافاة مدمني الكحول، وبالمثل هناك مجموعات المساعدة الذاتية لأنواع الإدمان الأخرى.
إلا أنه في بداية المعافاة يحتاج غالبية الأفراد إلى مساعدة شاملة ومتخصصة أكثر مما تستطيع مجموعة المعاونة الذاتية أن تمنحه، يحتاج الأفراد إلى رعاية طبية متى شعروا بدنياً بسوء، ويلزم البعض التواجد ببيئة وقائية من أجل الحفاظ على الامتناع لفترة كافية.
تجمع أكثر المعالجات نجاحاً، الخطوات الإثنا عشرة
الأساسية لبرنامج المدمنين المجهولين بالاستشارات
المهنية والعلاج.
يواجه الشخص المتعافي مشكلات متخصصة في سياق الاسترداد عدة مرات، وقد يشتمل ذلك على صعوبات مالية، مشاكل زوجية، اضطرابات نفسية أو عاطفية، أو مشكلات سلوكية والتي تعد النتيجة المباشرة للإدمان. وعلى الرغم من أن برنامج المساعدة الذاتية يحسن وحده عادة من تلك المشكلات، ثبت أن الاستشارات المهنية والمعالجة يمكنها تقديم العون في حل تلك القضايا بشكل أسرع وأكثر فعالية، ومن ثم فإن أكثر نماذج المعالجة نجاحاً هي تلك التي تجمع بين مجموعة المساعدة الذاتية والمعالجة المهنية.
يُعد تدبر أعراض الانسحاب طويل الأمد ضرورياِ في الحفاظ على الاعتدال، ويشمل التدبر استيعاب وقبول تلك الأعراض التي تتداخل مع القدرة على التذكر، التفكير بوضوح، وتسويس المشاعر والأحاسيس، كما يتضمن أيضاً التغلب على الخزي، الشعور بالذنب، وخشية الجنون الذي غالباً ما يصاحب تلك الأعراض، ويشمل خفض وترويض الضغط، إعادة تدريب الذاكرة والحياة المتوازنة.
فالاعتدال ضروري للصحة الجيدة والصحة الجيدة أساس الاعتدال، وتتضمن أولى قواعد الصحة البدنية الجيدة الخاصة بالشخص المتعافي الامتناع عن جميع أنواع المواد المخدرة المغايرة للمزاج بما في ذلك العقاقير التي تستخدم دون الوصفة الطبية أو وصفة قديمة، لا سيما انه كانت هناك ضرورة حتمية تستدعي استخدامها لتدبر أمر مشكلة صحية أخرى أكثر خطورة، ثم ينبغي مراقبتهم بحرص تحت رعاية الطبيب واستشاري الإدمان.
تمثل التغذية الجيدة أمر حيوي للمعافاة، حيث تُلحق سوء التغذية إلى جانب الكحول أو المخدرات الضرر بالجسم، ومن ثم يجب إعادة بنائه مجدداً من خلال الغذاء المتوازن؛ ولأن الأشخاص المتعافيين ذوي حساسية شديدة ينبغي تجنب المواد المسببة للإجهاد مثل الحلويات المُركزة، الكافيين والنيكوتين، كما يساعد التدريب على إعادة بناء الجسم والحفاظ عليه وبخاصة التمارين الهوائية التي تُعد ذات فائدة في خفض وإدارة الضغط، كما ينبغي تنظيم وقت الاسترخاء في حياة كل مُتعافٍ، حيث تعيد تمارين الاسترخاء توازن الجسم وتعمل على خفض إنتاج هرمونات التوتر، كذلك يلطف ويُسهم المرح واللعب في الصحة والتعافي.
تتطلب المعافاة حل مشكلات العائلة، العمل والمشاكل الاجتماعية التي يخلقها الإدمان النشط، كما ينطوي ذلك على تنمية شبكات اجتماعية حديثة وذات مغزى أكبر، ويجب على أعضاء الأسرة أن يكونوا جزءاً من برنامج المعافاة، فهم فضلاً عن الشخص المدمن مُعرضين للاختلال الوظيفي من قِبل إدمان المخدرات، ومن ثم فإنه يجب إعادة تعيين وبناء أدوار وقواعد وطقوس العائلة وتعلم مهارات الاتصال مجدداً في الاعتدال، حيث يحتاج جميع أفراد الأسرة إلى الانتعاش معاً.
من الصعب التعافي من الإدمان بدون المشار إليه في برنامج المدمنين المجهولين ب "البرنامج الروحاني"، وتوضح مبادئ برنامج المدمنين المجهولين أن مدمني الكحول ضعفاء كما أنهم لا يستطيعون تدبر أمر معيشتهم إلى أن يقبلوا مساعدة قوة أكبر من أنفسهم، ومن ثم فإن حياة تتضمن معيشة صحية، علاقات راقية، التزام بقيم خارج الذات والنمو الروحي من شأنه دعم الصحة والاعتدال على المدى البعيد، كذلك يُعد إعادة توجيه الحياة لتصبح القيم محورها وليس المخدر جزءاً حيوياً من المعافاة، فأسلوب حياة يفضي إلى التعاطي لا يساعد على الاعتدال.
تمت الترجمة لجمعية المشعل الخيرية وقويم. ترجمة وتدقيق: شركة جوجان لخدمات الأعمال. googantranslation.com