مرجع عربي مجاني في الجدوى والاستثمار والترجمة المعتمدة

في بداية السبعينات ,كنت اعمل كمستشار إدمان الكحوليات بمستشفي "جرانت" بشيكاغو. بدءاً من يونيو ١٩٧١ تم تعييني فى قسم العيادات الخارجية على دوام كامل مع ما يتطلب من مسؤولية . وبما أنى لم أكن أتمتع بالأقدمية الكافية اداريا، كان نفوذى لا يُذكر في ان يوكل إلى "تشخيص الحالات المتقدمة". بعد ذلك تم اختياري للتعامل مع حالات المرضى الأكتر صعوبة، حيث تلقى العديد منهم معالجة لوقت كافى بدون الوصول إلى الاعتدال. وفي ذلك الحين، لم يكن ذلك ليقلقني، فقد كانت لدي ثقة أنه يمكنني التعامل مع أي شخص. ولم يخبرني أحد أن الحالة المزمنة لهؤلاء المرضي العُرضه للانتكاسة المتكررة ميئوس منها. ونتيجة لذلك توقعت وببساطة أن يتم شفائهم.

عندما تتكون حالات حصريا من أشخاص عرضة للانتكاسة يمكن أن تصبح مهمة شاقة ولكني بدأت في التعلم فور اعطائى المهمة.

وكان أول ما تعلمته أن غالبية المرضى العُرضه للانتكاس قد خاضوا كل ما يمكن تقديمه من استشارات الإدمان الكحولي والعلاج النفسي التقليدي. كما علمت أن العديد منهم لديهم معرفة بخطوات وتقاليد ومبادئ برنامج مدمني الكحول المجهولين كما وأن تلك المعرفة تفوق ما لدي. فقد كانوا على دراية ب "الكتاب الكبير" و"الاثنا عشر والاثنا عشر". ومر الكثير منهم بفترات طويلة من الامتناع عن تناول الكحول إثر تطبيق مبادئ برنامج مدمني الكحول المجهولين. إلا أنهم بطريقة أو بأخرى لم يتمكنوا من تطبيق تلك المبادئ في حياتهم. ويشعر البعض أنهم غير قادرين بنيوياً على العودة للوضع السوي ويرتبط ذلك بالتقرير الذي ورد بالفصل الخامس من "الكتاب الكبير" والذي يصف هؤلاء التعساء غير القادرين على الوصول التعافى.

تم تدريبي على أسلوب علاج عال المستوى من المجابهة لغرض الشفاء. ولكن سريعا ما اكتشفت أن المجابهة لا تصلح مع المرضى العُرضه للانتكاسة لأن الخبرة الأولى التي اكتسبوها أكثر من أي شيء آخر هي التعامل مع هؤلاء المجابهين. حيث أمسى العنصر الأساسي يوما بعد يوم أن يتم مواجهتهم من قبِل جميع العاملين تقريبا - الزوجات، الأطفال، المعالجين، المستشارين، ضباط الشرطة.... الخ. فإذا كان هناك شيئا واحدا قد اكتسبوا فيه المهارة والحذق يكون هو التعامل مع المجابهة.

وأدركت على الفور أن تلك المجموعة من المرضى كانوا أقسى على أنفسهم أكثر مما قد يكونه أي معالج. فقد انصرفوا إلى معاقبة وإذلال أنفسهم. كما أن تقديرهم الذاتي منخفض طوال الوقت.

وخلال ألأشهر الأولى من محاولة العمل مع هؤلاء المرضى أحرزت نجاحاُ لا يُذكر. فقررت التغاضي عن الاستشارات الكحولية التقليدية والشروع في التعلم من الخبراء الحقيقيين، ألا وهم المرضى أنفسهم.

وبدلا من البدء بخطط المعالجة المُعقدة، واستراتيجيات المعالجة التي تقوم على المواجهة بشكل كبير، وبرامج المعالجة عالية البنية اتخذت منهاجاً أكثر بساطة. ففي بادئ الأمر، طلبت من كل مريض حضور جلسات برنامج مدمني الكحول المجهولين بحد أدنى ثلاث مرات أسبوعياً.

ثانياً، ابتكرت جلسة لمجموعة علاجية خاصة تستمر على مدار ثلاث ساعات والتي كان من شأنها مساعدة المرضى على تعلم كيفية التواصل فيما بينهم وكيفية اختبار المشاعر والعواطف والتحدث عنها وكذلك كيفية تحديد أنماط السلوك العامة في المجموعة ومن ثم تطبيق تلك الأنماط على المشكلات التي قد تحدث في محيط اخر من حياتهم.

يتألف الجزء الثالث من المعالجة من الجلسات العلاجية الفردية والتي يتم تكريسها تقريباً وعلى وجه الحصر لتفسير التاريخ المفصل للانتكاسة. وقد كان يحثهم الاستهلال بأخر مرة تمتعوا فيها بفترة اعتدال. وكم كان يدهشني أن أجد غالبيتهم مقتنعين بكونهم مدمني كحول وأنهم كانوا في حاجة إلى برنامج مستمر للمعافاة قبل انتكاستهم الأخيرة. كذلك تعجبت عندما وجدت أن معظمهم كان لديه الباعث الجدي ليبقى متعافى. لم تكن لديهم الرغبة في الارتداد. وكانوا يأملون في الاستعانة بالاستشارات المهنية لبرنامج المدمنين المجهولين "AA"، بجانب أي شيء آخر قد يزكيه برنامج المعالجة. واجتاز البعض العلاج بالصدمة الكهربية أو التكييف بالإكراه (حيث يجبرون على التقيؤ متى تناولوا الكحل). وآخرون سجنوا طوعاً لعدة شهور. إلا أن معظمهم عاودا الشرب مرة أخرى على الرغم من كل تلك الجهود المضنية.

ويمثل هدفي من حشد تاريخ تلك الانتكاسات هو جمع وصف تفصيلي خطوة بخطوة عن من يحاول الامتناع عن الشرب وهو على علم بما هي الكحولية من أن يعود إلى الشرب مرة أخرى؟ وكيف يُقنع مدمني الكحول أنفسهم أن يتناولوا الكحل وهم يعرفون جيداً أنه من المحتمل أن تقتلهم؟

ما تعلمته من جمع قصص الانتكاسة هذه، هو أن هناك العديد من أوجه التشابه بين المرضى. حيث يبدو أن الغالبية يتبعون نفس أنماط التفكير والتفاعلات العاطفية والسلوكيات والمواقف الحياتية التي تفضي إلى الانتكاسة.

بعد تناول خمسة أو ستة قصص اكتشفت كم كان شاقاً على هؤلاء الكحوليين المتعافين تنسيق أفكارهم ومشاعرهم. فقد أصبح جلياً أنهم لم يعودوا قادرين على التفكير، معالجة مشاعرهم وعواطفهم أو حتى تذكر الأشياء بشكل واضح. وأمست مقدرتهم على التعامل مع الأفكار المجردة وتنظيم الأحداث الماضية محدودة جداً. حيث استغرقت بعض قصص البداية من ست إلى عشر ساعات حتى تكتمل. كانوا يعانون من فجوات كبيرة في الذاكرة وفترات طويلة من الزمن لا تمثل أية تذكرة بالنسبة لهم. كما كانوا يواجهون صعوبة شديدة في ترتيب الأحداث الماضية في نظام متعاقب منطقي. وعندما طلبت منهم تصوير ما تعنيه نشاطات وأحداث منصرمة محددة، عجزوا عن تعيين معناها. وعلى الرغم من أنهم تمكنوا من تدبر أمر الذكريات الملموسة إلا أنهم وجدوا مشقة في تجريد وتعميم ما تعنيه تلك الخبرات في المواقف الحياتية الأخرى.

وعلى وجه التقريب فبعد إتمام عشر قصص، وازنت بين النتائج وتناولت أوجه التشابه وشرعت في وضع قائمة عامة لما أطلقت عليه ألأشارات التحذيرية للانتكاسة. وبدلا من البدء من نقطة الصفر لأخذ تاريخا مرضيا لمريض جديد كنت اعرض عليه قائمة الإشارات التحذيرية التي تتكون من الكلمات والعبارات القصيرة مثل الإنكار، السلوك الدفاعي، تصعيد الأزمات وهلم جرا. ومن ثم أقوم بتفسير ماذا تعني كل واحدة من تلك الكلمات في جلسات العلاج الفردية وأستخدمها لتحفيز ذاكرتهم من أجل معرفة ما إذا مروا بتجربة تلك الأشياء.

من خلال استخدام تلك القائمة، نجحت في التعجيل بعمليات سرد الأحداث الماضية. كما لاحظت من المجموعة العلاجية إقبال المزيد والمزيد من المرضى على التحدث طوعاً عن إشارات الانتكاسة التحذيرية الخاصة بهم. وشرع الكثير في رؤية الأساليب التي كانت تفضي إلى السُكر فيما مضى، وإدراك نفس الإشارات التحذيرية متى ظهرت في امتناعهم الحالي.

ما لبث مركز نشاط المجموعة أن تغير من مجموعة نمو التكيف سيكولوجياً إلى مجموعة علاجية عينية لتوجيه الوقاية من الانتكاسة. فصار محور الاهتمام مطابقة إشارات الانتكاسة التحذيرية الملموسة، تمييزهم في مواقف الحياة الواقعية وتعلم كيفية القيام بخطوات متماسكة ضد الإشارات التحذيرية.

على الرغم من أنني لم يكن لدي علم بها في ذلك الوقت، إلا أن المجموعة العلاجية ذات الساعات الثلاث الى جانب تاريخ الانتكاسات الفردية والتضمين المتواصل لبرنامج الكحوليين المجهولين أصبح بمثابة أساس نظرية الانتكاسة الشاملة، كما صار التدريب يُعرف بطريقة الوقاية من الانتكاسة.

في غضون عامين كاختصاصي معالجة المرضى الخارجيين جمعت ١١٨ قصة انتكاسة وعمدت إلى تحليل تلك القصص بالتفصيل. وكان نتيجة ذلك قائمة منقحة من ٣٧ إشارة تحذيرية تدعمهم النماذج العامة المستوحاة من ال ١١٨ قصة.

في يونيو ١٩٧٣، تركت مستشفى "جرانت" لأبدأ العمل كمنسق لبرنامج EAP في الإدارة العسكرية ب فورت شيريدان، إلينوي. حيث المزيد من العمل في مجال الوقاية من الانتكاسة. وفي أغسطس ١٩٧٤ أصبحت مديرا لقسم خدمات الكحوليين في مستشفى إلينوي الاجتماعي المركزي وحالياً بمستشفى هايد بارك الاجتماعي بشيكاغو، إلينوي. وقد أثبت العمل على هذا البرنامج دينامكية الانتكاسة إلى حد بعيد.

في عام ١٩٧٦، اصبحت مدير مركز معالجة إدمان الكحول بمستشفى إنجلاس التذكاري بهارفي، إلينوي. وبدأت في العمل على نطاق واسع مع "د. هاري هانج" لنساعد معاً المرضى العُرضه للانتكاسة حيث المركز التقليدي لعلاج إدمان الكحول ,وإننا سريعا ما أدركنا الحاجة إلى تقديم خدمات متخصصة لهؤلاء المرضى العُرضه للانتكاس.

كان جميع موظفي الهيئة مدربين على المبادئ الأساسية الخاصة ببرنامج الوقاية من الانتكاسة. وقمنا بتحديد المواقف العكسية والمعتقدات الخاطئة التي تزيد من تتفاقم مشكلة الانتكاسة. كما أننا قمنا بإعادة تقييم أسلوب المواجهة القاسية، وشرعنا في فصل المرضى ممن ليس لديهم حقاً الباعث على الاستجابة للمعالجة عن أولئك الذين لديهم الرغبة في الإذعان وإن لم تصلح معهم المعالجة التقليدية.

وقد وجدنا أن هؤلاء المرضى بعد المعالجة المضادة للانتكاس قد تعرضوا لانتكاسات أقل ومروا بفترات اعتدال أطول. وإذا ما عاودوا الشرُب أو تعاطي المخدرات، أمست فترات انتكاسهم أقصر وقسوة العواقب أقل عن هؤلاء الذين تلقوا العلاج بطرق أخرى. فأصبحنا متحمسين ومفعمين بالأمل.

في عام ١٩٧٩، انضمت إلينا "ميرلين ميلر"، وهي تربوية محترفة وكاتبة. وعملنا معاً على تنظيم المادة التي ستصبح بمثابة الأساس لنموذج حديث من الاستشارة يقوم في المقام الأول على التقنيات المضادة للانتكاس. وأطلق على أولى تنظيماتنا مؤسسة الأنظمة الكحولية )ASA( وأُجرُِي ذلك ب Hazel Crest، إلينوي. ثم قمنا بعمل تدريب محلي بمنطقة شيكاغو وقد شرعت شهرة تلك الطرائق تنتشر بتمهل على نحو قومي.

في عام ١٩٨٢ قمنا بنشر كتاب بعنوان "الاستشارة المضادة للانتكاس"، والذي تناول بالتوضيح ولأول مرة المبادئ الأساسية واستراتيجيات منهج الوقاية من الانتكاسة. حيث تبنى النصف الأول من الكتاب فكرة الانتكاسة بينما يقدم النصف الثاني الخطوات العملية للوقاية منه. ورغم أن هذا الكتاب فى الأصل كان موجهاً للاستشاريين إلا أن العديد من المرضى بدؤوا في استخدامه كسبيل لمعافاتهم.

منذ بداية الثمانيات ونحن على إطلاع بأعمال "جي آلان مارليت" ومساعديه في مركز بحث السلوك الإدماني، جامعة واشنطن بسياتل. وعلى الرغم أن عمله انبثق من المدرسة السلوكية أكثر من مدرسة فكرية لمفهوم مرضي، إلا أنه يتشابه بشكل لافت للنظر مع إجراءات المعالجة الفعلية للوقاية من الانتكاسة. وقد أسهمت المدرسة السلوكية بوفرة من الأبحاث التي تدعم فعالية منهج الوقاية من الانتكاسة. وفي عام ١٩٨٥، قام "جي ألان مارليت" و"جوديث أر جوردن" بتحرير كتاب "الوقاية من الانتكاسة"، حيث طرحا معاً وللمرة الأولى موجز ودمج لتلك الأبحاث التجريبية.

يُعد الكتاب الحالي، البقاء بعيداً عن الإدمان - دليل الوقاية من الانتكاسة، نتاج جهود تحديث نموذج الوقاية من الانتكاسة بمعلومات جديدة تم اكتشافها منذ الكتاب السابق. وهو في الوقت ذاته محاولة لتقديم معلومات حيوية يمكنها إحداث فارقاً بين الحياة والموت، بين الاعتدال والانتكاسة ونقدمه إليكم، أعضاء جماعة المعافاة.

هو الأمل لمارلين ولي أن تستطيع المعلومات المذكورة بهذا الكتاب أن تتيح لك المشاركة في الخبرات المتراكمة لآلاف عدة من الكحوليين الذين ساهموا بشكل مباشر وغير مباشر في تطوير هذا النموذج.

هذا الكتاب يُقدم لك جهُداً لتشاركنا تجاربنا وآمالنا. نريدك أن تحظى بالأمل وبهذه الروح دعنا نبدأ معك رحلة. رحلة ستوجز في تلك الصفحات المعرفة الأساسية للوقاية من الانتكاسة والتي استغرقت منا خمسة عشر عاماً لجمعها.

تيرنس تي جورسكي

يوصى باستعمال هذا الكتاب للاستخدام السريرى

دليل للبقاء بعيداً عن الثمالة: الغرض من هذا دليل هو أن يستخدم مع كتاب دليل للوقاية من الانتكاسة.

ينتج عن منهج خطوة بخطوة المستخدم في هذا الدليل مساعدة كبيرة للمرضى الذين لم يتحرروا من التبعية الكيميائية سواء في الجلسات الاستشارية الفردية أو الجماعية.

سيتم توجيه القراء لفحص عملية الانتكاسة بأكملها لاستيعاب السبب وراء انتكاستهم بشكل أفضل والسبيل إلى منع الانتكاسة من الحدوث. وقد تم تجربة هذه الطريقة بنجاح بين العديد من الكحوليين المتعافيين وهؤلاء ذوي التبعيات الكيميائية. إن تلك المبادئ التي تم التحقق من مصداقيتها فيما يخص الوقاية من الانتكاسة تستند على نموذج للمعالجة وتقدم هنا في أسلوب يسهل تفهمه وتطبيقه.

(تزكية من هيرالد هوس/صحافة مستقلة)

تمت الترجمة لجمعية المشعل الخيرية وقويم. ترجمة وتدقيق: شركة جوجان لخدمات الأعمال. googantranslation.com