مرجع عربي مجاني في الجدوى والاستثمار والترجمة المعتمدة
الصناعة والتصنيع

لماذا ما زلنا نستورد الدواء؟ الأرقام التي تجعل صناعة الدواء العربية قضية أمن واقتصاد

نُشر 8 دقيقة قراءة

لماذا ما زلنا نستورد الدواء؟ الأرقام التي تجعل صناعة الدواء العربية قضية أمن واقتصاد

الخلاصة

في مارس 2020، ومع بداية جائحة كورونا، قيّدت الهند تصدير 26 مادة دوائية فعالة والأدوية المصنوعة منها، ومن بينها الباراسيتامول، أبسط مسكن في أي بيت. والهند هي البلد الذي يسميه العالم «صيدلية العالم». المفارقة الأكبر أن الهند نفسها تستورد نحو 70% من موادها الفعالة من الصين.

تحتاج تطبيق ما في هذا الدليل على حالتك؟ اطلع على خدمة دراسة جدوى لصندوق التنمية الصناعي لدى قسم الدراسات والاستشارات في جوجان، أو راسلنا عبر واتساب.

في هذا الدليل
  1. الصدمة الأولى: الدواء يتحول إلى سلاح وقت الأزمات
  2. الصدمة الثانية: دول صغيرة تعيش على الدواء
  3. القوائم المالية العملاقة: كم تكسب صناعة الدواء؟
  4. أين تقف السعودية؟
  5. الفجوة الحقيقية التي لا يتحدث عنها كثيرون: المادة الفعالة
  6. دعوة إلى الحكومات العربية
  7. دعوة إلى المستثمرين: من أين تبدأ فعلاً؟
  8. من الفكرة إلى المصنع: الخطوات العملية
  9. الخلاصة: السؤال الذي يجب أن نطرحه
  10. مصادر

إذا كانت صيدلية العالم تعتمد على غيرها في المادة الخام، وتغلق بابها حين تخاف على نفسها، فأين يقف بلد يستورد الدواء جاهزاً؟

هذا المقال لا يتحدث عن الدواء بوصفه سلعة صحية فقط. إنه يتحدث عن صناعة تبني عليها دول كاملة اقتصادها، وعن فرصة ما زالت مفتوحة أمام الدول العربية وأمام المستثمر العربي. كل رقم هنا له مصدر منشور في آخر المقال.

الصدمة الأولى: الدواء يتحول إلى سلاح وقت الأزمات

في الأوقات العادية يبدو الاستيراد حلاً مريحاً: تشتري ما تحتاجه من السوق العالمية بسعر منافس. لكن الأزمات تكشف الحقيقة. حين تضيق الإمدادات، تحمي كل دولة شعبها أولاً، وتتحول الأدوية والمواد الخام إلى سلع ممنوعة من التصدير.

وأوروبا، بكل ثقلها الصناعي، تواجه المشكلة نفسها. تشير تقديرات منشورة إلى أن الصين تنتج نحو 40% من المواد الفعالة في العالم والهند نحو 20%، وأن 93 مادة فعالة على الأقل تُستخدم في أوروبا لا يصنعها أي مصنع في القارة. وفي بعض المواد التي تدخل في المضادات الحيوية تجاوز اعتماد أوروبا على الواردات الصينية 95%.

الدرس: الأمن الدوائي لا يتحقق بالمال وحده. يتحقق بمصنع على أرضك، وبخبرة تملكها، وبسلسلة إمداد تعرف كل حلقة فيها.

الصدمة الثانية: دول صغيرة تعيش على الدواء

الدواء ليس عبئاً على الميزانية فقط. في دول أخرى هو أكبر مصدر للدخل الأجنبي.

الدولة ما يمثله الدواء في اقتصادها المصدر
أيرلندا صادرات منتجات طبية ودوائية بقيمة 99.9 مليار يورو في 2024، من أصل 223.8 مليار يورو صادرات سلعية، أي قرابة 45% المكتب المركزي للإحصاء الأيرلندي
سويسرا صادرات الأدوية والفيتامينات والتشخيص 100.3 مليار فرنك سويسري في 2024، أي 35.5% من إجمالي صادراتها اتحاد صناعات الكيمياء والأدوية السويسري
الدنمارك توقع محللو بنك دانسكه أن تستأثر شركة نوفو نورديسك وحدها بنحو نصف النمو الاقتصادي للدنمارك في 2024 فورتشن، نقلاً عن دانسكه بنك
الأردن صادرات دوائية بنحو 611 مليون دينار في 2024، ويُصدَّر 80% من الإنتاج إلى 85 سوقاً، عبر 27 مصنعاً توفر 7,000 وظيفة مباشرة وغير مباشرة جوردان نيوز

تأمل المثال الأردني جيداً. بلد عربي بموارد محدودة، بلا نفط، بنى صناعة دوائية تصدّر أربعة أخماس إنتاجها إلى عشرات الأسواق. الصناعة إذن ممكنة عربياً، وقد أثبتت ذلك على أرض الواقع.

القوائم المالية العملاقة: كم تكسب صناعة الدواء؟

لكي تفهم لماذا تتسابق الدول على هذه الصناعة، انظر إلى القوائم المالية المنشورة لشركتين فقط عن عام 2024:

الشركة المبيعات الربح أو الإنفاق ملاحظة
نوفو نورديسك (الدنمارك) 290.4 مليار كرونة دنماركية ربح تشغيلي 128.3 مليار كرونة، وصافي ربح 101 مليار كرونة نحو 76,300 موظف في 80 دولة
روش (سويسرا) 60.5 مليار فرنك سويسري للمجموعة، منها 46.2 ملياراً للأدوية إنفاق على البحث والتطوير الدوائي 11.1 مليار فرنك البحث والتطوير وحده يفوق ميزانيات دول

اقرأ الرقم الأول مرة أخرى: ربح نوفو نورديسك التشغيلي يعادل نحو 44% من مبيعاتها. أي أن قرابة 44 هللة من كل ريال تبيعه الشركة تبقى ربحاً تشغيلياً. قليلة هي الصناعات في العالم التي تحقق هذا الهامش.

وعلى مستوى العالم، تتوقع مؤسسة IQVIA أن يتجاوز الإنفاق العالمي على الأدوية 2.6 تريليون دولار بحلول 2030، بنمو سنوي بين 5% و8%. سوق بهذا الحجم والنمو لا يُترك للاستيراد.

تنبيه منهجي: هذه أرقام شركات عالمية رائدة تملك براءات اختراع وأدوية مبتكرة. مصنع أدوية جنيسة جديد لن يحقق هوامش مماثلة، لكن الأرقام تبين حجم القيمة التي تذهب إلى من يملك الصناعة.

أين تقف السعودية؟

السعودية أكبر سوق دوائي في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، بحجم يُقدَّر بين 12 و15 مليار دولار في 2025، وبنحو 29% من سوق المنطقة.

لكن الحجم وحده لا يكفي. في يناير 2023 أعلن وزير الصناعة والثروة المعدنية أن عدد مصانع الأدوية المسجلة في المملكة بلغ 50 مصنعاً، تغطي 28% من احتياج المملكة من حيث القيمة و42% من حيث الحجم. أي أن أكثر من 70% من قيمة ما نستهلكه من دواء كان يأتي من الخارج.

والدولة تتحرك بجدية:

  • توطين الإنسولين: أعلن وزير الصناعة في أكتوبر 2023 أن المملكة ستوطن من 80% إلى 90% من احتياجها من الإنسولين، وأن لجنة التوطين تلقت منذ 2020 أكثر من 1,000 مستحضر دوائي لدراسة توطينها.
  • ليفيرا: في يونيو 2023 أطلق صندوق الاستثمارات العامة شركة «ليفيرا» للتصنيع الدوائي، وتركز على الإنسولين واللقاحات وعلاجات البلازما والأجسام المضادة وحيدة النسيلة.
  • الاستراتيجية الوطنية للتقنية الحيوية: أُطلقت في يناير 2024، وتستهدف أن تصبح المملكة من أكبر ثلاث دول مصدّرة للقاحات في المنطقة بحلول 2040، وأن تسهم التقنية الحيوية بنسبة 3% من الناتج المحلي غير النفطي، مع أكثر من 11,000 وظيفة بحلول 2030.
  • رفع الإنتاج المحلي: تشير تقارير القطاع إلى أكثر من 55 مصنعاً معتمداً من هيئة الغذاء والدواء، وإلى مستهدف لرفع الإنتاج المحلي من نحو 20% إلى 40% من الطلب.

الإرادة الحكومية موجودة، والتمويل الحكومي موجود. ما ينقص هو عدد أكبر من المستثمرين الذين يحولون الفرصة إلى مصانع.

الفجوة الحقيقية التي لا يتحدث عنها كثيرون: المادة الفعالة

مصر مثال مهم. أعلن رئيس هيئة الدواء المصرية في نوفمبر 2025 أن مصر حققت اكتفاءً ذاتياً من الأدوية بنسبة 91%، وأن 208 مستحضرات كانت تُستورد بأكثر من 700 مليون دولار سنوياً أصبحت تُنتج محلياً. هذا إنجاز كبير.

لكن انتبه للفرق بين مستويين من التصنيع:

  1. تصنيع المستحضر النهائي: تستورد المادة الفعالة، وتخلطها، وتحولها إلى أقراص أو حقن أو شراب، وتعبئها. هذا ما تفعله معظم المصانع العربية اليوم.
  2. تصنيع المادة الفعالة نفسها: وهي الحلقة التي تسيطر عليها الصين والهند إلى حد كبير.

المصنع الذي يعتمد على مادة فعالة مستوردة يبقى معرضاً لما حدث في مارس 2020. لذلك فالخطوة التالية الحقيقية للدول العربية هي الانتقال تدريجياً من تعبئة الدواء إلى صناعة مكوناته.

دعوة إلى الحكومات العربية

هذه ليست دعوة عاطفية. هي ما تقوله الأرقام أعلاه، وما فعلته الدول التي نجحت:

  • اجعلوا الشراء الحكومي محركاً للصناعة: المصنع المحلي يحتاج طلباً مضموناً في سنواته الأولى. عقود شراء طويلة الأجل للمنتج المحلي المطابق للمواصفات هي أقوى حافز للمستثمر.
  • تكاملوا بدل أن تتنافسوا: السوق الخليجي والعربي الموحد أكبر بكثير من سوق أي دولة منفردة. مصنع يخدم سوق المنطقة كلها أجدى اقتصادياً من مصنع يخدم سوقاً واحداً.
  • ابدؤوا بالمواد الفعالة الأكثر استهلاكاً: لا يلزم تصنيع كل شيء. ابدؤوا بالمواد الأكثر استخداماً في الأمراض المزمنة والمضادات الحيوية الأساسية.
  • استثمروا في الإنسان: صناعة الدواء صناعة كفاءات قبل أن تكون صناعة آلات: صيادلة صناعيون، ومهندسو جودة، ومتخصصو تسجيل دوائي.

دعوة إلى المستثمرين: من أين تبدأ فعلاً؟

إذا كنت مستثمراً يفكر في دخول هذه الصناعة، فهذه نقاط دخول واقعية، مرتبة من الأسهل إلى الأصعب:

نقطة الدخول لماذا هي مناسبة ما تحتاج التحقق منه
مستلزمات الإنتاج والتعبئة الدوائية استثمار أقل وتقنية متاحة، وكل مصنع دواء عميل محتمل مواصفات المصانع القائمة واشتراطات الجودة
أدوية جنيسة صلبة للأمراض المزمنة طلب كبير ومستقر، فالأمراض غير المعدية تتسبب في أكثر من 68% من الوفيات في المملكة انتهاء براءات الاختراع، والمنافسين المسجلين، ومسار التسجيل لدى هيئة الغذاء والدواء
المحاليل والحقن المعقمة منتجات أساسية للمستشفيات، واستهلاكها لا يتوقف متطلبات التصنيع المعقم وتكلفته الأعلى
التصنيع التعاقدي لشركات أخرى تشغيل المصنع لصالح علامات قائمة يقلل مخاطر التسويق عقود طويلة مع شركاء موثوقين
تصنيع المواد الفعالة الحلقة الأهم استراتيجياً والأقل منافسة عربياً تقنية الإنتاج، والحجم الاقتصادي، وتوفر الكيماويات الوسيطة

من الفكرة إلى المصنع: الخطوات العملية

  1. دراسة سوق على مستوى الجزيء: ليس «سوق الدواء» بشكل عام، بل كمية الاستهلاك والسعر والمنافسين لكل مستحضر تنوي إنتاجه.
  2. اختيار محفظة منتجات: مجموعة مستحضرات تشترك في خط الإنتاج نفسه، حتى تتوزع التكلفة الثابتة على أكثر من منتج.
  3. مسار التسجيل: اشتراطات هيئة الغذاء والدواء، ودراسات التكافؤ الحيوي، والجدول الزمني الواقعي حتى أول بيع.
  4. دراسة الجدوى الفنية والمالية: تكلفة المصنع والمعدات واشتراطات التصنيع الجيد، ورأس المال العامل، والتدفقات النقدية، ونقطة التعادل.
  5. التمويل: صندوق التنمية الصناعية السعودي يموّل المشاريع الصناعية، ويحتاج ملفاً ودراسة جدوى مستوفية لمتطلباته.
  6. الشريك التقني: نقل التقنية من شركة لها خبرة يختصر سنوات ويقلل المخاطر.

تنبيه: لا توجد «تكلفة مصنع أدوية» واحدة. مصنع أقراص صغير يختلف عن مصنع حقن معقمة أو مصنع مواد فعالة اختلافاً جذرياً في الاستثمار والمدة والمخاطر. الرقم الحقيقي يأتي من دراسة جدوى مبنية على منتجاتك أنت وسوقك أنت.

الخلاصة: السؤال الذي يجب أن نطرحه

السؤال ليس «لماذا نستورد الدواء؟» فقط. السؤال الأدق: لماذا نترك صناعة بهذه الأرباح وهذا الأثر الاستراتيجي لغيرنا، ونحن نملك السوق والتمويل والإرادة الحكومية؟

دول لا يتجاوز عدد سكانها بضعة ملايين بنت اقتصادها على الدواء. ودولة عربية بلا نفط تصدّر 80% من إنتاجها الدوائي. والسعودية وضعت الاستراتيجية وأطلقت الشركات الوطنية. الخطوة التالية بيد المستثمر الذي يحول الدراسة إلى مصنع.

مصادر

المحتوى تعليمي عام ولا يغني عن استشارة مهنية لحالتك أو عن الرجوع إلى الجهة الرسمية المختصة.

استفسر عبر واتساب